إعلان الإستقلال الجديد لتركيا

0
282

أناضول بوست إبراهيم قراغول

لقد كان يوم 24 يونيو/حزيران 2018 بالنسبة لتركيا إعلانًا جديدًا للاستقلال، إعلان صعود قوة جديدة وتركيا القرن الحادي والعشرين للعالم أجمع، تاريخ ظهور دولة لن يستطيع أحد ليّ ذراعها أو النظر إليها نظرة ازدراء إلى مسرح الأحداث العالمي.

لقد كان ذلك اليوم انتصارا جديدا لإرادة شعبنا التي تصنع التاريخ في هذه المنطقة منذ ألف عام ضد التدخلات الدولية، إحياء شعبنا لروح “المقاومة الشرسة” التي نشر نماذجها في أرجاء المنطقة كافة عند مواجهة الحملات الصليبية والغزو المغولي والحرب العالمية الأولى واستيلائها. لقد كان انتقالا لتلك الجينات السياسية من أعماق التاريخ إلى يومنا، بعزيمة كبيرة، هذا لإعادة إنشاء الدولة العظيمة ورسم ملامح المنطقة من جديد.

تعريف القيم الاستراتيجية وفق ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا

إن 24 يونيو/حزيران يمثل نهاية حقبة الوصاية التي امتدت طوال القرن العشرين، انتزاع الإمكانيات التي كان بين أيدي من أعطوا أهمية لتركيا في سياق مصالحهم الاستراتيجية، رسم ملامح قيمها الاستراتيجية لتركيا وفقا لحساباتها ومصالحها وهويتها وماضيها ومستقبلها.

لقد انهارت في ذلك اليوم الدروع الدفاعية لمن اعتبروا وطننا تركيا لعشرات السنين كقوة درك تحمي حدودهم؛ إذ استطاعت تركيا للمرة الأولى أن تشكل خطوطها الدفاعية حسب محورها الوطني الخاص بها.

لقد شهد ذلك اليوم نجاة تصميم السياسة الداخلية في تركيا وتضامنها الاجتماعي والبيروقراطية العسكرية والمدنية وجهازها الاستخباراتي وكيانها من رأس المال من مجال تأثير هؤلاء. ولقد فضح من تظاهروا بأنهم أصدقاء لكنهم أدروا حروبا سرية ضدنا، من ادعوا الوطنية وحجزا لأنفسهم مقاعد ضمن صفوف الجبهة الدولية.

من المستحيل إيقاف طريق تركيا حتى عام 2023

لقد أغلق الباب وانتفت إمكانية إيقاف تركيا حتى عام 2023؛ إذ لم يعد هناك إمكانية لإبطاء تقدم تركيا وإيقافها وتركيعها وإجبارها على الاستسلام وحبسها داخل أروقة محور بعينه من خلال التهديدات والهجمات والعمليات السرية والاستفزازات الاقتصادية في الخارج أو أوساط النفوذ المستثمر بها على مدار القرن العشرين وكيانات “الاحتلال الداخلي” وعناصر “المعارضة المحافظة” في الداخل”.

إننا نشهد ولادة تركيا من جديد وصعودها مرة ثانية إلى مسرح التاريخ في سياق إعادة تشكيل القوى العالمية. ولا شك أن انتخابات 24 يونيو/حزيران لم تكن أبدا مادة سياسية داخلية، بل كان ترجيحا لهذا التغيير الجيوسياسي. كما أن استهداف تكتلات المعارضة للرئيس أردوغان بشكل مشترك لم يكن خيارا محليا، بل كان هدفا وضعها هؤلاء المحور الأطلسي الذي أراد إدارة هذا الخلاف والسيطرة عليه.

مَن ولماذا جمعكم على قلب رجل واحد، فكروا قليلا!

كان يجتمع كل هؤلاء من تنظيم غولن الإرهابي، أحد أذناب جهاز استخبارات أجنبي، وتنظيم بي كا كا الإرهابي، وهو أحد أذرع الإرهاب الدولي، وحزب الشعب الجمهوري، الذي جرى تحويله بينما كان الحزب المؤسس لتركيا إلى حزب جبهة ذات محور عنصري ومذهبي، والحزب الجيد (إيي) الذي كان يحظى في وقت من الأوقات بدعم الشخصيات الوطنية، والسياسيين المعروف عنهم هويتهم المحافظة من أنصار حركة “ملّي غوروش”؛ كيف ولماذا يجتمع كل هؤلاء على هدف واحد؟ كيف ولماذا لا يرون أمامهم سوى القضاء على شخص واحد؟ كيف ولماذا يضعون يصبحون جزءا من المخطط الأطلسي الرامي لـ”إيقاف تركيا”؟

لقد صار هنا نسخة جديدة من تركيا أمام كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومنطقتنا والقوى الصاعدة في آسيا. ولا شك أن المساومات والعلاقات ستدار من الآن فصاعدا وفق هذه القوة الصاعدة؛ إذ عاد التاريخ والقوة والجينات السياسية إلى مجراها الطبيعي.

إن الكفاح الذي تخوضه تركيا منذ 20 عاما هو كفاح عقلية كهذه التي نتحدث عنها. لقد ظهرت على الساحة تركيا الجديدة التي حجزت لنفسها مكانا بين القوى العالمية، لتكون بداية جديدة وصعود تاريخي جديد وحر بعد مائة عام من التبعية. ولقد كان هذا وتيرة لا يمكن تأجيلها أو إيقافها، ومن يراجعون تاريخنا على مدار الألف عام الماضية في هذه المنطقة سيرون أن ظروف مماثلة كانت موجودة في السابق، وأن تغيرات مشابهة حدثت كذلك، وأن تحولات تاريخية وقعت بفواصل زمنية محددة، وأن ذلك التغير الكبير قد حدث بطريقة هادئة ومنظمة وذكية.

إنهم كذلك يواجهون تركيا بوصفهم “محتلين داخليين”

إن من يفهمون ماهية الكفاح الذي تخوضه تركيا سيفهمون كذلك تحلل القوى وبناء القوى الذي نعيشه حاليا. ولقد تعرضنا للعديد من الهجمات العنيفة الخارجية منذ اليوم الذي تولى فيه الرئيس أردوغان زعامة هذا التغيير. وكان هذا السبب الرئيس لكل المخططات التي حاولوا تنفيذها من خلال أعمال الإرهاب والانقلابات والترويج للحرب الأهلية ومحاولات الإضرار بالتماسك الاجتماعي والإنقاص من قدر أردوغان وإسقاطه من نظر الشعب التركي، بل ومحاولة التخلص منه عن طريق الاغتيال.

إن التدخلات الخارجية تكون دائما موجهة للحيلولة دون صعود قوة جديدة. لكن المقاومة الداخلية والشراكة التي في الداخل أمر محزن. فبعض أذناب التنظيمات الإرهابية والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام وعالم الأعمال صاروا شركاء التدخل الخارجي في الداخل؛ إذ انضموا هم أيضا إلى الحملة الرامية لإيقاف تقدم تركيا التي واجهوها بصفتهم “محتلين داخليين”.

هذا ما نطلق عليه “المسيرة الكبرى”

في الحقيقة فإن هذه الجبهة شُكلت لتكون ضد تركيا لتمنع مشروع التحول الجذري الجديد على مدار تاريخنا الممتد لألف عام، التحدي الكبير الذي يخوضه شعبنا وصعوده التاريخي. ولو لاحظتم ستجدون أن بعض الأوساط أقدمت على تنفيذ محاولة أخيرة عن طريق الجمع تحت سقف واحد لكل الكيانات التي تعاونت معها على مدار القرن العشرين للحيلولة دون نمو تركيا وإعادة إنشائها لقدراتها.

بيد أن هذا العهد قد ولى، فلم يعد لديهم ما يستطيعون فعله، فلن يكون بإمكانهم بعد اليوم إبطاء تركيا أو إيقافها أو حتى وضعها تحت الوصاية من جديد. وهو ما نطلق عليه “المسيرة الكبرى”..

LEAVE A REPLY