القمّة الثلاثية في طهران ودور تركيا في إدلب

0
280

حليمة كوكتشة – صحيفة ستار

توّجه الأنظار نحو القمّة الثلاثية التي ستُعقد في العاصمة طهران بين تركيا وروسيا وإيران، وتزامناً مع ذلك نفّذت روسيا غارة جوية على المناطق التابعة لهيئة تحرير الشام في مدينة إدلب السورية، وتلا ذلك قصف نظام الأسد للمنطقة أيضاً، وبناء على ذلك صدرت إشاعات تشير إلى أن هذه العمليات قد تجلب معها عملية عسكرية بريّة في الفترة المقبلة.

أشارت القناعة المّشتركة إلى أن مدينة إدلب تمثّل الستار الأخير أمام الحرب السورية، ويمكن لهذا التحليل أن يكون صحيحاً في حال قام النظام السوري وروسيا بتسليم شرق الفرات لأمريكا التي تُعتبر الداعم الأكبر لحزب الاتحاد الديمقراطي، ولكن إذا كان نظام الأسد يتخلّى عن السيادة الإقليمية للبلاد، وبالمقابل لا يسمح لقوات المعارضة بالعيش حتى في المناطق المحاصرة، فذلك يعني وجود احتمال بداية مجزرة جديدة أمام أعين العالم بأكمله، وكذلك حذّر الرئيس التركي أردوغان العالم حول هذه المسألة من خلال عبارة “هناك ما يقارب الثلاث ملايين والنصف مليون من المواطنين السوريين في مدينة إدلب، أمريكا تسلّم زمام المبادرة لروسيا، والأخيرة تسلّم زمام المبادرة لأمريكا، ولهذا السبب إن تنقيذ عملية عسكرية في هذه المنطقة قد يؤدي إلى وقوع مجزرة جماعية كبيرة في المنطقة”.

بطبيعة الحال تركيا تشعر بالقلق تجاه المشاكل الأمنية وموجات اللجوء الجديدة التي قد تضطر لمواجهتها في حال تنفيذ عملية عسكرية في إدلب، لكن في الواقع تركيا تحاول منذ بداية الحرب السورية لفت انتباه الرأي العام إلى مسألة رئيسة وهي الملحمة الإنسانية التي يشهدها العالم في الساحة السورية، وعلى الرغم من تحمّل تركيا لعبء لجوء ثقيل ومواقف الدول الأوروبية اللامبالية تجاه المسائل المتعلّقة ببي كي كي وتنظيم الكيان الموازي، إلا أن تركيا لم تجعل من نفسها معبراً بين سوريا ودول أوروبا، وأوقفت العديد من محاولات هجرة اللاجئين السوريين إلى أوروبا بطرق غير قانونية.

هذه السياسة هي الدافع الرئيس لتركيا فيما يتعلّق بالقضية السورية، وكذلك تُعتبر تركيا العامل الوحيد الذي يحاول لفت الانتباه إلى الملاحم الإنسانية الواقعة في سوريا، ولذلك إن تصريح أمريكا بأنها ستتدخّل في حال استخدام نظام الأسد للأسلحة الكيمائية ليس عبارة إلا عن استغلال الفرص.

في السياق الأخير يمكننا رؤية أن أمريكا لا تعارض المجازر المُرتكبة في سوريا بل تعارض استخدام الأسلحة الكيميائية فقط من خلال تصريح الممثّلة الدائمة لأمريكا في مجلس الأمم المتحدة “نيكّي هالي” بعبارة “لن ننتظر إلى أن يستخدم نظام الأسد الأسلحة الكيميائية للتدخّل” أولاً، وتصريحها بعبارة “إذا أراد الأسد السيطرة على سوريا يمكنه أن يفعل ذلك ولكن ليس باستخدام بالأسلحة الكيميائية” عقب تصريحها الأول بفترة وجيزة، وفي جميع الأحوال نُدرك جيداً أن استخدام الأسلحة الكيميائية لا يشكّل مشكلة حقيقية بالنسبة إلا أمريكا على أرض الواقع، لو كانت أمريكا تهتم بالمسألة بالفعل لكانت تدخّلت عندما استخدم الأسد الأسلحة الكيميائية للمرة الأولى في الغوطة الشرقية وتسبب بمقتل أكثر من ألف مواطن سوري معظمهم من الأطفال.

أما بالنسبة إلى موقف روسيا من القضية السورية، مجزرة الغوطة الشرقية معروفة لدى الجميع، وكذلك رأينا قتل المدنيين واستهداف الأطفال الهاربين واستخراج جثث الأطفال الرُضّع من داخل أنقاض المنازل المهدومة، وتزامناً مع ذلك لم نشهد على أن روسيا تُظهر أي حساسية تجاه مسألة أمان المدنيين في سوريا، وكذلك يشهد الجميع على أن الميليشيات الإيرانية تنفّذ هجماتها بأساليب لا تقل إجراماً وهمجيةً عن أساليب تنظيم داعش الإرهابي.

انطلاقاً من الواقع المذكور يمكننا إدراك صعوبة دور تركيا في تحقيق الصلح وإعادة الحياة لمجراها الطبيعي في ظل هذه الظروف والسياسات والأساليب التي تنتهجها العوامل الأخرى مثل روسيا وإيران ونظام الأسد في الساحة السورية، وخصوصاً أن الجبهة المعارضة للنظام السورية لم تبادر في خطوة ملموسة لتوحّد صفوفها، ولا نملك معلومات مؤكدة حول التحالفات والاتفاقيات السريّة في سوريا،  ولذلك إن خفض مستوى الملاحم الإنسانية لأدنى درجة ممكنة ليس بالأمر السهل في الظروف الراهنة، ومع ذلك نتوقّع أن القمّة الثلاثية التي ستُعقد في طهران بين تركيا وروسيا وإيران ستكون ضماناً لعدم خروج العملية العسكرية عن محور الأهداف المحدّدة.

من الآن وصاعداً يبدو أن إخراج هيئة تحرير الشام من قائمة أهداف روسيا أصبح أمراً غير ممكن، وكذلك إن إمكانية فصل العناصر المنضمين إلى الهيئة مؤخراً عن التنظيم والقدرة على تضييق مجال الجهات المُستهدفة من قبل روسيا هو أمر هي أمور مجهولة أيضاً، لكن من المؤكد أن تركيا ستعطي الأولوية لأمان المدنيين والمعارضة المُعتدلة خلال المراحل المُقبلة، وإضافةً إلى ذلك يبدو أن أولويات المعارضة السورية ستكون عبارة عن البقاء في بلادهم والعيش فيها في الوقت الحالي، لكن من جهة أخرى إن تنفيذ عملية عسكرية في إدلب سيلغلي احتمال إيجاد حل للمسألة كما حدث في مدينتي حلب والغوطة الشرقية.

LEAVE A REPLY